مقدمة:
من بين أربع لآليء
رائعة ينتظم عقدها على شاطئ خليج عمان في الساحل
الشرقي لدولة الإمارات العربية المتحدة وهي ( كلبا
والفجيرة وخورفكان ودبا )
وفي طرف هذا العقد الثمين شمالاً تقع - مدينة دبا
- درةً نفيسةً لا يزاحمها في جمال موقعها إلا
عراقة تاريخها الموغـلة جذوره في القدم .
لتعزف سيمفونية جميلة جمعت بين التاريخ والجغرافيا
والطبيعة الخلابة لترسم بذلك لوحة رائعة الجمال
بإطلالتها الخلابة على البحر وشواطئه الرملية
الناعمة مروراً ببيوتها الحديثة ومرافقها
المتكاملة ثم بساتينها الخضراء النضرة لتضيف
الجبال المحيطة بها ـ لاحتضانها بكل شموخ وإباء ـ
خلفية متناسقة لهذا المشهد الدبوي الفاتن .
يرجع اسم دبا كما يروى في التاريخ أنه من الدّبا
وهو الجراد الصغير الذي يدب على الأرض قبل أن
يطير. كما في لسان العرب لابن منظور ، وقيل أنه
كان يكثر فيها قديما .
وتقتسم هذا الاسم الآن ثلاث مدن متجاورة هي دبا
الفجيرة ودبا الحصن وتتبع دولة الإمارات العربية
المتحدة ودبا البيعة التي تتبع سلطنة عمان .
من أقدم المدن
العربية المأهولة حتى الآن مثل دمشق وأريحا وغيرها
حيث تختزن المدينة التاريخ بكل حبة رمل من أرضها
فهي تعوم على بحر من آثارها الذي لم تبح عنه بعد ،
كيف لا وهي التي قال عنها المؤرخ الروماني سترابو
صاحب كتاب الجغرافيا والذي ينقل بدوره عن أتميدوس
السكندري 101ق.م قوله (( أن هناك شعباً من شعوب
الجزيرة العربية اسمه الدبائيون )) .
وقد برزت دبا بسبب موقعها الجغرافي كميناء وطريق
تجاري يربط الشرق بالغرب في عصر الفينيقيين ثم
كانت من أسواق العرب المعروفة في الجاهلية واشتهرت
في العصر الإسلامي من خلال حروب الردة ثم مشاركة
جيشها بقيادة المهلب بن أبي صفرة ومن معه من
أبنائها في الفتح الإسلامي في بلاد فارس بعد ذلك .
ثم في مقاومتها للمستعمرين البرتغاليين أيام دولة
اليعاربة ومن ثم في عهد دولة القواسم ثم في العصر
الحديث حيث كانت المكان المفضل كمصيف لأبناء
الإمارات الشمالية قبل ظهور البترول وقيام دولة
الإمارات ، ثم هي الآن في عصر دولة الاتحاد تشهد
قفزات هائلة ومتلاحقة في التطور الحضري
والعمراني لتبدو على ما هي عليه من روعة وجمال .
التاريخ الجاهلي:
ذكر ياقوت
الحموي في كتابه معجم البلدان مكانة وأهمية دبا في
العصر الجاهلي فقال:
(( مدينة قديمة مشهورة ، لها ذكر في أيام العرب
وأخبارها وأشعارها ، وكانت قديماً قصبة
عمان )) . وقصبة
البلد مدينته الكبرى .
v وقد ورد اسم دبا في الشعر
الجاهلي حيث يقول الشاعر الشهير المخبل السعدي :
أرى إبلي حلت
دبا
بعدما يُرى
لها وطنٌ جنبا عَـتود فزابنُ
v وقال
ابن حبيب البغدادي في كتابه المحبر :
” هي إحدى فرضتي العرب ، يأتيها تجار الهند والسند
والصين وأهل المشرق والمغرب “
، والفرضة هي الميناء البحري ، وقد كانت مدينة
جدة هي الفرضة الأخرى .
v
وقد ذكر الإمام
الطبري في تاريخه دبا فقال : هي المصر والسوق
العظمى ويلخص الدكتور جواد علي في كتابه المفصل في
تاريخ العرب قبل الإسلام النشاط التجاري في دبا
فيقول :( كان يقصد سوق دبا تجار الهند والسند
والصين ومواضع أخرى فهي سوق عظيمة من الأسواق
المقصودة المشهورة ذات تجارة مع العالم الخارجي .
وقد عثر من قبل بعثات التنقيب في دبا على مدافن
تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد وبعضها يعود
إلى الألف الأول قبل الميلاد مما يدل على قدم
واستمرارية الاستيطان البشري والحضري فيها .
بدعوة الرسول
عليه الصلاة والسلام في كتابه الذي أرسل به
الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه لملكي عمان
ابني الجلندى بن المستكبر جيفروعباد وإسلامهما
وكانا بصحار، يقول سرحان الأزكوي في كتابه تاريخ
عمان ( ثم بعثا إلى دبا وما يليها يدعونهما بدعوة
النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت دبا قاطبةً ).
إذاً أجاب أهل دبا دعوته عليه السلام ودخلوا
الإسلام طائعين وظل عمرو بن العاص رضي الله عنه
معلما ووالياً بعمان واستمر كذلك حتى وفاة الرسول
الكريم عليه السلام حيث ارتد أكثر العرب فحدثت
الردة في دبا أيضا بقيادة لقيط بن مالك وتصدى له
جيش أرسله الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله
عنه بقيادة عكرمة بن أبي جهل وعرفجة البارقي وبعض
من ثبت من أهلها على الإسلام بقيادة حذيفة ابن
محصن الغلفاني وهزموهم في موقعة دبا وحاصروا
المدينة المحصنة حتى استسلمت وأخذ من أهل دبا بعض
السبي للمدينة حتى أطلقهم أمير المؤمنين عمر بن
الخطاب رضي الله عنه في خلافته لتعود دبا إلى دين
الله بعد أن انجلت فتنة الردة فيها .
ولقد ساهم أهل دبا في نشر الإسلام في فتوح فارس
بقيادة القائد الفذ المهلب بن أبي صفرة الذي يعد
أبرز رجالات دبا عبر التاريخ كما ظهر نجم آخر من
دبا وهو القاضي العلامة كعب بن سور قاضي البصرة في
عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
وتنقطع بعد ذلك المصادر عنها خلال فترة العباسيون
والعثمانيون و الاستعمار البرتغالي .
وتستمر دبا في نشاطها التجاري وازدهارها رغم
ذلك فعندما مر بها في عام 1860م الرحالة
الانجليزي وليم بلغريف قال معجباً بها ” إنها
نموذج مصغر نادر في الجمال لمدينة نابولي
الايطالية في سحر مناظرها وجمال موقعها “
لقد حبا الله دبا بماء عذب وبساتين نخيل وليمون
وغيرها من الأشجار المثمرة وطقس معتدل مما جعلها
تكون المكان المفضل كمصيف لكثير من أهل الإمارات
الشمالية على الخليج العربي الذين كانوا يقصدون
الساحل الشرقي والباطنة في عمان
لقضاء الصيف قبل ظهور
النفط وقيام الاتحاد حتى جرى على لسانهم المثل
الدارج
ـ بنقيظ دبا وبنشوف
قيظها ـ لكثرت ما كانت تمتدح بينهم .
ولقد كان أهل دبا يعملون
في الزراعة والغوص وصيد الأسماك في تلك الفترة .
كما سافر بعضهم للعمل
في دول الخليج المجاورة قبل قيام اتحاد دولة
الإمارات .
منذ أن قامت دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة
المغفور له مؤسس الاتحاد الشيخ زايد بن سلطان آل
نهيان رحمه الله وحتى الآن وبقيادة صاحب السمو
الشيخ / خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة
وإخوانه حكام الإمارات حفظهم الله .
ودبا
كما سائر مدن الدولة في تطور كبير ومتنامي في كل
مناحي الحياة العلمية والاجتماعية والاقتصادية
والعمرانية حتى غدت دبا بتخطيطها المدني وحسن
تقاسيمها وجمال مبانيها وطبيعتها محط أنظار وإعجاب
كل من زارها ورآها .
أما أبنائها فلقد نعموا بالحياة الهانئة مع ما
توفره لهم الدولة من وظائف وخدمات فبلغوا في هذا
العهد الميمون أفضل المراتب العلمية والاجتماعية .
وهاهي دبا الحصن تلبس اليوم ثوبها القشيب الزاهي
بما رسمه لها بأنامله المبدعة وبرؤيته الحضارية
الفذة صاحب السمو الشيخ الدكتور/ سلطان بن محمد
القاسمي حاكم الشارقة ليُلبسها بيديه عقدها الفريد
بما يحتوي من مؤسسات ودوائر ومكاتب حكومية ومرافق
خدمية ومباني تعويضية كتقدير لهذه المدينة
التاريخية المتحضرة وأهلها الطيبون الذين يبادلونه
حباً وولاء وتضحية وفداء .
ولا تزال عجلة البناء مستمرة لتثمر مشاريع جديدة
وكبيرة لينعم بها أبناء المنطقة وزائريها ولتكتمل
لوحتها البانورامية البديعة بهاءً وإشراقاً .
هذا غيض من فيض وقليل من كثير كتبته على عجالة
كنبذة عن تاريخ مدينتي دبا مما يحضرني الآن ولا شك
أن ما لم أسطره بحقها وبذكر تاريخها الحافل المديد
عبر السنين والعصور أكثر مما قيل فهذا جهد المقل
وبه أرجو العذر عن كل تقصير وزلل .
سليمان محمد أحمد بن جمعوه